ابن سبعين

46

رسائل ابن سبعين

وضعوها غيرة على الأسرار أن تذاع لدى الأشرار . قال سيدي الشيخ عبد الغني النابلسي في رسالته المسمّاة ب « إيضاح المقصود في معنى وحدة الوجود » « 1 » : والحاصل أن جميع علماء الظاهر لا حق معهم في الطعن على القائلين بوحدة الوجود من المحققين العارفين ، القائلين بذلك على وجه الحق والصواب كما ذكرنا ، أما القائلين بوحدة الوجود من الجهلة الغافلين والزنادقة الملحدين ، الزاعمين بأن وجودهم المفروض المقدر هو بعينه وجود اللّه تعالى ، وذواتهم المفروضة المقدرة هي بعينها ذات اللّه تعالى ، وصفاتهم المفروضة المقدرة هي بعينها صفات اللّه تعالى ، الذين يحتالون بذلك على إسقاط الأحكام الشرعية عنهم ، وإبطال الملّة المحمدية ، وإزالة التكليف عن نفوسهم ، فالطعن عليهم بسبب القول بوحدة الوجود على هذا المعنى الفاسد طعن صحيح ، وعلماء الظاهر مثابون بذلك كمال الثواب من الملك الوهّاب ، والعارفون المحققون في هذا الطعن من غير خلاف قد أشار إليهم الشيخ عبد الكريم الجيلي ، قدّس اللّه سرّه ، في كتابه المسمّى شرح الخلوة في أوائله من الوصايا « 2 » حيث قال : « يا أخي . . قد سافرت إلى أقصى البلاد ، وعاشرت أصناف العباد ، فما رأت عيني ولا سمعت أذني أشر ولا أقبح ولا أبعد عن جناب الحق تعالى من طائفة تدّعي أنها من كمّل الصوفية ، وتنسب نفسها إلى الكمّل وتظهر بصورتهم ، ومع هذا لا تؤمن باللّه ورسله ولا باليوم الآخر ، ولا تتقيّد بالتكاليف الشرعية ، وتقرر أحوال الرسل وما جاءوا به بوجه لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، فكيف من وصل إلى مراتب الكشف والعيان ؟ ورأينا منهم جماعة كثيرة من أكابرهم في بلاد أذربيجان « 3 » وشروان « 4 » وجيلان « 5 »

--> ( 1 ) انظر : إيضاح المقصود ( ص 66 ) تحقيق الأستاذ سعيد عبد الفتاح ( طبع الآفاق العربية ) مصر . ( 2 ) شرح الخلوة للإمام الجيلي ( مخطوط ) ، وأما كتاب الخلوة للشيخ الأكبر فمطبوع . ( 3 ) هي ناحية واسعة بين قهستان ، وإيران ، بها مدن كثيرة ، وقرى وجبال ، وانظر : آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني ( ص 284 ) . ( 4 ) هي ناحية قرب باب الأبواب ، قيل : قصة موسى والخضر عليهما السلام كانت بها ، وقيل غير ذلك ، وانظر : آثار البلاد ( ص 600 ) . ( 5 ) غيضة بين قزوين وبحر الخزر ، صعبة المسالك لكثرة ما بها من الجبال والوهاد والأشجار والمياه ، وانظر : آثار البلاد ( ص 353 ) .